أحدث الأخبار

رعاة الوهم

+ = -

الاستاذ سعيد كويس

“فأما الزبدُ فيذهبُ جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”

ما القيم التي يتباهى مجتمع البيظان بالدفاع عنها؟

ذات يوم سمعت وزيرة الثقافة في ” الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” تتحدث لصحفيين مصريين أيام ارتفعت درجة حرارة مصر تجاه المملكة المغربية في لحظات هذيان سيسيٍّ كئيب؛ تقول لهم بأن الصحراويين ينهلون في احترام المرأة وتقديرها من قيم العرب الأقحاح، وأن حضور المرأة أكثر من الرجل في الحياة اليومية عروبة ما فوقها عروبة، والحقيقة أن صورة المرأة التي توارثناها من زمن القبيلة العربية  تقول عكس ذلك. ولا نجد أقرب إلى تلك الصورة سوى ما قرأناه في رحلة ابن بطوطة لما وصف نساء ولاتة الموريتانية ” إوَلاتن”.

إنها قيم صنهاجية يتبرأ منها البيظان اليوم وكأنهم يتبرؤون  من العار ومن الدنس.

ويتساءل البعض عن موريتانيا، وعن أزواد، وعن ” الصحراويين” سواء تحت حكم المملكة المغربية أو من اختار منهم الشتات في مخيمات تندوف، وعن تكنة في منطقتي وادنون وواد درا، وعن آخرين في الجنوب الجزائري؛ لماذا لا يستقيم حالهم؟ الجواب بكل بساطة أنهم قوم يبحرون ضد التيار، يسيرون ضد القيم، يرعون الوهم ويحاربون الواقع، ينفرون من الماء، ويشربون الذي يحسبه الظمآن ماء. إنهم قوم استثناء دون أقوام العالم، يرون الأشياء بالمقلوب ويحسبون وضعيات أعينهم غيرَ مقلوبة. فكثير من المثقفين الموريتانيين اليوم ممن تجمعنا بهم علاقة أخوة وتقدير واحترام يشتركون في رأي مفاده أن موريتانيا في طريق مظلم غير واضح المعالم، يتساءل الناس عن تلك الحال التي ما عادت تطاق.

إنه الانتقام الإلهي من قوم أعزهم الله من بعد ذلة، فلم يحمدوه، ولم يوقروه، واختاروا أن يبحروا ضد سنن كونه؛ فالصانع التقليدي لا ينظر إليه بازدراء في العالم غيرهم، وهو عند أهل فاس أشرف الناس، وهو في مكة أعظمهم قدرا، وكل شعوب العالم وأممه تنظر إليه بغير ما نظر إليه المعذبون في الأرض الذين يحتقرون صانعا، وينشغلون بطرب وترف؛ فانظر إلى سقوط إمارة أولاد امبارك في موريتانيا؛ وتأمل في سقوط المعتمد بن عباد في الأندلس ومن أسقطه، وفي نشوء إمارات طوائف في موريتانيا بعد ذلك. أليس الله بأحكم الحاكمين؟ بلى.

والبحر له في ذاكرة الناس عظمة وشأن كبير، ألم ينجُ نوح من الغرق في مياه كمياهه إن لم تكن أمواجَه ؟ ألم يغرق فيه الله ملأ موسى يوم عتوا في الأرض مفسدين ؟ ألم يقل المتنبي العربيُّ وما أدراك ما العربي ذات يوم يمدح سيف الدولة مشبها إياه على سبيل الاستعارة بالبحر في جوده وكرمه وعطائه :

وأقبل يمشي في البساط فما درى

إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي ؟

دون كل شعوب العالم وأممه ينظر مجتمع البيظان إلى البحر بازدراء، ولا يرضى خيراتِه ونعمَه لغير من يراهم جهلا مستضعفين ومحتقرين. البحر الذي أحل الله من فوق سبع سماوات ميتته لعباده، يحرمه البيظان على أنفسهم. البحر الذي نال حصة الأسد بمبالغ خيالية لتنمية المغرب أقاليم الصحراء في خطة اعتمدت للتنمية في الصحراء؛ تعلو أصوات “أزكاي” عند الكثير منهم ناكرا حجم المبادرة على الأقل في أرقامها المالية.

وصنهاجة التي حكمت العالم، وردت المد الشيعي عن  شمال إفريقيا، وشاء بها الله أن يكون المغرب الإسلامي من حدود مصر إلى المحيط ومن بلاد السودان إلى حدود فرنسا؛ سنيا مالكيا لا شيعيا فاطميا، ولا خارجيا. صنهاجة التي احتضنت عرب المعقل الذين نزحوا من مصر شيعة فغدوا في بلاد المغرب سنة بقدرة الله الذي وحد بطون صنهاجة في صحراء البيظان في أعظم لوحة وحدوية سماها التاريخ المرابطين، كما وحد قبائل في شبه الجزيرة العربية لم يكن يخطر ببال أحد منها أنها ذات يوم ستعبر بخلافاتها وصراعاتها إلى بلاد الفرس والروم وبالأحرى أن تصل الهند والسند شرقا والمحيط الأطلسي غربا. إنها صنهاجة أو بتعبير صحراوي محلي ” إزناكن” أو ” آزناكة” التعبير الذي أمسى عند رعاة الوهم مصدر عار واحتقار:

وأصلك من صنهاجة ونكرته

ومن ينكر الأصل العريق يُحقر

فعلا إنهم رعاة الوهم الذين ضاقت بهم الأرض والسبل حتى أصبحوا يبحثون عن هويتهم وثقافتهم في كتب فرنسية وإسبانية وألمانية وبرتغالية، وفي كتابات كولونيالية لم ينظر إليهم أصحابها إلا احتقارا؛ وقد كرمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن استخلفهم الله بسنته في أرض الملثمين وجيرانهم من السود جنوبا وبني عمومتهم شمالا. ألم يكن السلطان المغربي ينزل بجيشه رافعا راية الإسلام رادا عنهم بطش المعتدين من غيرهم ومنهم أنفسهم؟

الوسم


أترك تعليق