أحدث الأخبار

السنن الكونية وأثرها في فهم المتغيرات

+ = -

تعيش الإنسانية بمختلف أديانها وأجناسها ومؤهلاتها على سنن الله الكونية، بحيث تخضع جميع حركاتها وسكناتها لمجموعة من النواميس والقوانين الثابتة على مر العصور، مما يترتب على هذا السير مجموعة من النتائج الناتجة عن حسن أو سوء أو تقاعس في الأخذ بالأسباب من عدمه، إما سعادة أو شقاء، وإما انتصار أو هزيمة وإما ارتقاء أو انحطاط.

عرف رشيد كهوس السنن الإلهية بأنها :”إرادة الله الكونية، وأمره الشرعي، وفعله المطلق، وكلماته التامات، وحكمته في آفاق الكون وتسلسل التاريخ، الجارية بالعباد عبر رحلة الأعمار إلى المعاد”1

وإن كان هناك اختلاف عند بعض الباحثين بين السنن الإلهية والسنن الكونية من حيث الاصطلاح، إلا أن السنن الكونية في حياة البشرية ثابتة ودقيقةلا تتغير ولا تتبدل، ومنتظمة كالمعادلات الرياضية والقوانين الفزيائية، فهي لاتحابي أحد، ولا تميل إلى فريق على حساب فريق، ولا تفرق بين المؤمن والكافر ولا بين الصالح والطالح. ويخضع لها جميع البشر بحيث يبنوا عليها أمور معيشتهم وحاجاته،فمن لم يزرع البذور أول الموسم ويعتني بها بريها ومتابعتها..فإنه لن يحصد شيئاوإن كان أتقى الأتقياء وأصلح الصالحين على وجه البسيطة، تلك هي السنن الكونية التي أشار إليه القرآن بقوله:“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” الرعد الآية 11.

فمن “زرع وأحسن اختيار البذور، واختيار التربة وروى بنظام يأتي له الزرع بالثمر لأنه أخذ بالأسباب، وهذا اسمه عطاء الربوبية وهو عطاء عام لكن مَن خلق الله، مؤمناً كان أو كافراً، عاصيًّا أو طائعاً، لكن عطاء الألوهية يكون في اتباع المنهج ب- افعل ولا تفعل-وهذا خاص بالمؤمنين، فإذا ما أحسنوا استعمال أسباب الحياة في السنن الكونية. يأخذون حظهم منها، والكافرون أيضاً يأخذون حظهم منها، إذا أحسنوا الأخذ بالأسباب؛ ويكون ذلك بتخليد الذكرى وإقامة التماثيل لهم. وأخذ المكافآت والجوائز وحفلات التكريم. أما جزاء الآخرة فيأخذه من عمل لرب الآخرة، أما من لم يفعلوا من أجل لقاء الله فهو سبحانه يقول في حقهم: ” وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا “الفرقان الآية 32. 2

فمثلا التعرض المباشر للنار يسبب الحرق، فعندما تغفل عنها وتتعرض لها مباشرة ؛ فإنها تحرقك بدون تردد ولا رحمة، بغض النظر عن شخصك صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا كافرا أو مسلما، فإنها ستحرقك بلا رحمة ولاشفقة، وذلك لتكامل وتوافق الأسباب مع النتائج، “فالكون .. مصنوع على نظام دقيق من أجل أن تسير السنن الكونية في مجالاتها التي حددها الله، وعندما تنتظم هذه السنن في حركتها فهي تعطي النتائج للإنسان ولو بعد حين، حتى إن بعض المفسرين والمتكلمين بعمق يقولون: إن الأمراض الوراثية التي تنتقل من أجيال سابقة إلى أجيال لاحقة كان السبب فيها تقصير آباء واجتراءهم على أشياء مخالفة لمنهج السماء، فإذا شرع الله سنة كونية للفرد ثم خالفها تصيبه نتيجتها السيئة من بعد ذلك، وكذلك الأمة والجماعة.”3

فالمقصد من التنبيه على هذه السنن الكونية هو الحث على فهمها والتفطن لها، واعمالها في حياة البشرية وتسخيرها إلى ما يصلح أحوال الناس وتفكيرهم و تصحيح معتقداتهم وتوقعاتهم، من أجل السير في هذه الأرض وتعميرها أحسن عمارة والنهوض بالخلافة المنشودة قال تعالى:” يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم  هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين”الجمعة الآية  1، 2، فآياته المتلوة هي سور القرآن، المرشدة إلى سننه في الأكوان، والتزكية هي التربية بالعمل وحسن الأسوة، و (الكتاب) هو الكتابة التي تخرج العرب من أميتهم، و (الحكمة) هي العلوم النافعة الباعثة على الأعمال الصالحة، وما يسمى في عرف شعوب الحضارة بالفلسفة، فجميع مقاصد القرآن وبيان السنة له تدور على هذه الأقطاب الثلاثة.4

فهناك أناس طيبون صالحون يقولون مثلا شهيرا ” ألي غلبتوا الدنيا يكول لا خرة جات” بمعنى أن الذي تغلبه الحياة وتستعصي عليه الأسباب والأمنيات، يقول: الحياة في الآخرة أما هذه الدنيا ففانية ومردنا إلى الحياة الطيبة،وينسواقوله عزوجل:” ليس بأمانيكم و لا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به”وقوله  عزوجل:” وابتغ فيما أتاك الدار الأخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا” القصص الآية 77.

فليس هذا بالصواب بل كما تبتغي ثواب الآخرة بالصد عن الدنيا، فبالدنيا أيضا يحصل الثواب، ولا يمكن أن تمر إلى الدار العليا إلا بالعبور من حياة الدنيا،بمآسيها و أفراحها وكدها والسعي فيها، وذلك من أجل تحقيق الخلافة في الأرض وإصلاح ما يمكن إصلاحه وإعمارها أحسن عمارة وتشيد طودها المنشود، فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف عند الله وعند الخلائق جميعا، فأن يكون لهم التمكين والثبات إن لم يأخذوا بأسباب القوة والتمكين التي تفرضها السنن الكونية في إحقاق الحق وإزهاق الباطل. ومع كل هذا لا يمنع أن يخترق الإنسان هذه الحياة ويغوص في أعماقها بالمنهج القويم السليم وعلى هدي سيد الخلق أجمعين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرقى فيها وينتفع بأقواتها وأرزاقها ويتجمل بجمالها ويتمتع بمحاسنها..ولا ينسى آخرته ويضع صوب عينيه العودة ويقن أنه لن”يفلت من الإله الواحد القهار..فالذي يغتر بما آتاه الله نقول له: لا، إنك لن تفلت من يد الله، بل لك عودة بالموت وعودة بالبعث. وإذا ما استقرت في أذهان المسلمين تلك العودة؛ فكل إنسان يقيم حسابه على هذه العودة، ويجعل مصيره الأخروي نصب عينيه، ويجعل كل أعماله في تحقيق الخلافة وبناء العمران في سبيل هذه الغاية”5

 مراجع المقال:

1-   علم السنن الإلهية من الوعي النظري إلى التأسيس العملي، ص22، منشورات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى سنة 2015م.

2-   تفسير الشعراوي الخواطرج:7/4358، مطابع أخبار اليوم سنة 1997م.

3-   تفسير الشعراوي الخواطرج:4/2448

4-   الوحي المحمدي، رشيد رضا، ج:1/119، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 2005م

5-   تفسير الشعراوي الخواطر ج:2/1142

الوسم


أترك تعليق