الرئيسية / دين وفكر / خطبة الجمعة بين الواقع والمأمول

خطبة الجمعة بين الواقع والمأمول

تعتبر خطبة الجمعة أكثر المنابر الإعلامية تأثيرا في جماهير الأمة، وقد حضيت برعاية خاصة من الدين حيث وفر لها جميع الظروف والسياقات فحصنها القرآن وحصنتها السنة النبوية من بداية الاستعداد والاستقبال والترغيب في الالتحاق المبكر، مرورا بتسييجها بالعديد من الآداب والأخلاقيات والقوانين إلى حسن الإنصات واستقبال الإمام وعدم الاهتمام بما يمكن أن يفسد هذا التلقي كالحديث الثنائي أو العبث بالحصى أو ما يشبهه.

وهي أوثق وسيلة رسمية راتبة من خلالها يمكن أن نخاطب أبناء الأمة أجمعين، وهي كفيلة بممارسة التأثير البالغ على قلوب وعقول الجماهير. وهي المهرجان الخطابي الوحيد في الوطن العربي الذي لا يحتاج إلى ترخيص بل هي كما أرادها الله راتبة أسبوعية في السلم كما في الحرب في الرخاء كما في الشدة في الصيف كما في الشتاء، وحضورها واجب وفرض ومن تأخر عنها ثلاث مرات دون عذر قد ختم على قلبه كما جاء في الحديث، والإنصات فيها ضروري وإجباري وإلا فلا جمعة ولا أجر.

إن خطبة الجمعة من شأنها أن تلعب دورا حاسما في قضايا الأمة والدولة كوسيلة إعلامية لتبليغ البيانات والبلاغات و الإجراءات التي تتخذها الدولة حتى تضمن السير على خطى الولاء، وما الدعاء لولاة الأمور إلا جزءا من ذلك، كما تعمل على ترسيم خط تديني موحد لأهميته في الاستقرار والتناغم في العبادات والتجمعات في المساجد وغيرها.

كما تعتبر آلية من أهم آليات تحصين المجتمع من الفكر الدخيل وحمايته من أشكال التدين والتداعيات السلبية الفتاوى العابرة للقارات، إلا أن ذلك لن يتحقق بالخطب التي تلقى في بلادنا في غياب منهج منضبط يحدد أهدافه بدقة وبالتالي يحدد آليات وسائله التحليلية في صياغة خطاب التعبئة بالوعي والحماية.

إن الخطاب المباشر الذي يعتمد على “لا تفعلوا..اجتنبوا” يعد خطابا بئيسا لأن التعامل مع قضايا المجتمع لا يمكن أن يكون عن طريق المنهج الفقهي المستند إلى الدليل التفصيلي. لأن بناء منهج في الخطاب والتلقي هو عبارة عن تسليح الناس بنمط في التفكير يستطيعون به التمييز بين الغث والسمين وبين ما يعتمد على دليل وحجج وما يقال عبثا للتضليل والتفسيخ وخلق القلاقل والفتن.

إن الخطيب ليس في حاجة ليذكر كل حدث وقع، ويتحدث عن كل مصيبة نزلت وكل نازلة حدثت ليسلط عليها الأضواء ويوضح ما لها وما عليها، فإن مثل هذه القضايا في عالم متسارع الأحداث تكاد لا تنتهي ولا تتوقف، فالخطيب ليس أبا والناس ليسوا أطفالا يحتاجون لأبيهم لكي يكون حاضرا في كل وقت وحين. لأن أعظم مهمة في حياة الأب هي أن ينمي في أبنائه منهجا منضبطا في التعامل مع الأشياء، وبعد ذلك سيكتفي بالتوجيه والتذكير أو يعلمهم أشياء جديدة يحتاجونها في مواجهة الحياة.

إذا تم التعامل مع ال48 خطبة الموجودة في السنة بعشوائية في انتقاء المواضيع والخطب، أي دون اعتماد استراتيجية محكمة ورؤية واضحة يتمخض عنها برنامج متكامل يعمل على تحقيق أهداف معينة محددة بدقة، ويؤسس لإنسان وفق معايير مضبوطة، وعلى عقلية محددة، ستكون النتائج هزيلة إن لم نقل منعدمة.

لقد ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه بقوله: ” لا عقل كالتدبير” محاربا للعشوائية والتلقائية والارتجال والعمل اعتمادا على الحظ، وسار من بعده علماء الأمة بالتوجيه والترشيد، يقول الدكتور محمد علي رزاز: ” عندما يتم الانفصام بين القول والعمل فتلك طامة كبرى، وعندما يخلو العمل من سمة التخطيط فقد زهقت روحه”. إذن فالتخطيط روح العمل وعمل بلا برمجة أو تخطيط عمل بلا روح. وإذا كان هذا شأن أي عمل. فما بالنا بمهمة التبليغ والتوجيه والتربية التي تعد من أدق المسائل الحساسة وألصقها بسلوك الفرد. فمهمة الخطيب إذن أحوج إلى الضبط والبرمجة والتخطيط.

ومما يدعو إلى هذا التخطيط والاستراتيجيات ودراسة نوعية المخاطبين وتحديد حاجياتهم ومراعاة اختلاف مستوياتهم ووظائفهم وأعرافهم وتقاليدهم وفهمهم وعدم فهمهم وسرعة استيعاب بعضهم وتباطئ البعض الآخر، هو هذا الاختلاف الذي شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض في علاقتها بالماء حيث قال: ” مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منه طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجاذب أمسكت الماء، فنفع الله بها فشربوا، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبث كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.”

فمن رسائل الخطيب أن يعي هذا ويعمل كيف يؤسس لمنهج يجعل كل الأراضي قابلة لتمسك الماء وتنبث الكلأ، والناس قد ولدوا على الفطرة، وكل العقول قابلة للتشكل والتفاعل.

إن بناء أنماط سديدة في التفكير أصبح ديدن العالم المعاصر فالغرب مثلا في معالجة العديد من القضايا الشائكة التي لم تجد معها نفعا برامجه الزجرية أو التي تعتمد على مقاربات أمنية أو تشديد العقوبات. كما وقع في محاربته للمخدرات حيث كان من قبل يعتمد على خطابات مباشرة جوفاء، وعندما لم تفلح تلك الخطابات لجأ إلى التشديد في العقوبات إلا أن التشديد في العقوبات وسن قوانين زجرية لا ترحم، زاد من انتشار المخدرات ولم يحد منها، وذلك لأن التاجر لا يغامر من أجل إدخال كمية صغيرة للبلاد مقابل عقوبات كبيرة في حالة تم ضبطه أو الإمساك به، ولذلك لجأ التجار إلى إدخال كميات كبيرة من المخدرات إلى البلاد تستحق المغامرة.

ولم تجد الدول الغربية حلا سوى التخلي عن الاهتمام بكل ما يتعلق بتجار المخدرات وسن القوانين واللجوء مباشرة إلى المستهدفين بهذه المواد السامة، فقامت بإحصاء الفئات المستهدفة فإذا بها تمثل أزيد من 60 في المائة من أفراد المجتمع، فلجأت الدول إلى وضع استراتيجيات تعتمد التكوين كآلية لمنهجة العقول وذلك بتكوينها وتسليحها بتقنيات ومهارات واستراتيجيات خاصة مثل استراتيجية بناء القرارات والتي هي أصلا تعتمد على تحديد نسبة الربح والخسارة ودراسة العواقب والمخرجات، أي تعتمد على مقاربة ما ينفع وما يضر هذا الإنسان الذي يعتبر أهم لبنة في تنمية وازدهار الوطن.

ولعل هذا النمط في التعامل مع القضايا الشائكة التي تؤرق الدول، وعلاقته بضرورة تدريب المواطنين على مناهج في التفكير، هو الذي دفع بالحكومة في كركاس بتكليف الدكتور لويس ألبرتو كأول إنسان في الوجود يرأس وزارة تسمى وزارة الذكاء مع توصية من طرف الحكومة حتى يعمل على رفع مستوى الذكاء والتفكير لدى الأمة.

إن مقولة ماو تسيتونغ الشهيرة ” لا تعطيه سمكة ولكن علمه كيف يصطاد السمك” تصب في نفس المنهج الذي نحن في صدد تحديد بعض معالمه، أي أن الإنسان عندما يصبح ذا خبرة وعلى معرفة في كيفية تحصين نفسه تجاه أي شيء قد يضر به ويضر بوطنه، كفكر دخيل أو فتوى طائشة، وكل هذه الأمور تكون في البداية عبارة عن أفكار وبمجرد قبولها وعدم غربلتها من أجل اتخاذ قرار بقبولها أو رفضها تتحول إلى معتقد والمعتقد من شأنه أن يتحول إلى سلوك والسلوك بطبيعة الحال يتحول مع تكراره إلى عادة.

إن الإرهابي عندما يقوم بتفجير نفسه بحزام ناسف وسط المسلمين أو الأبرياء حتى ولو كانوا كفارا في فرنسا أو أمريكا أو في أي مكان، ينطلق من أفكار تشربها فأصبحت معتقدا، حيث تقبل فكرة أن الإنسان يموت شهيدا حينما يفجر نفسه وسط مجتمع أطلق عليه “مجتمع جاهلي” لا يصلي ولا يصوم ولا يقيم وزنا لشرع الله، وأن الحور العين تنتظره بفارغ الصبر. إن آفة هذا الإرهابي هي أنه لم يكن لديه ما يحصن به نفسه من السقوط في براثن الإرهاب، أي لقد اغتال عقله وتقبل أفكارا لأنه تربى على تقبل أفكار دون المطالبة بسندها الشرعي الصحيح، وقدم الولاء للأشخاص عوض أن يقدم الولاء للشرع فصار هؤلاء في معتقده هم ظل الله في الأرض وما يقولونه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

كما نجد من مظاهر هذا النمط العشوائي في الخطاب الجمعتي انعدام وجود تخطيط لبرنامج سنوي تربوي تثقيفي لكل خطيب حيث يدرس هذا البرنامج بعناية فائقة فتكون حلقاته مطردة منسجمة يؤدي بعضها تلقائيا إلى بعض في نسق يراعي العام والخاص ويراعي التعليم بصغار العلم قبل كباره كما يقول ابن عباس رضي الله عنه، ويرتب الأولويات ترتيبا منطقيا كالبداية بترسيخ العقيدة عوض القفز عليها والدخول في متاهات لا تجد لها مكانا في عقل ولا فكر المتلقي.

ويجعل هذا البرنامج وفق رؤية واضحة الأهداف والمخرجات، كما يقول العالم التربوي الفرنسي ” دولان تشير Deland sheere “: ” أن تربي معناه أن تقود، أي ترشد إلى مرمى معين” مما يجعل التربية والتوجيه والتثقيف إذن أفعالا هادفة ترمي إلى تحقيق أهدافا وغايات ومقاصد، فيصبح الحديث عنها – حتما وبالضرورة – حديثا عن أهدافها إذ لا معنى لوجود مثل هذه الأفعال الغاية في النبل بدون أهداف تسعى جادة إلى تحصيلها وتحقيقها.

إن أول شيء يجب أن يعتمده الخطاب الجمعتي هو مخاطبة الناس بما يجعلهم يمتلكون عقلية علمية، والعقلية العلمية يحققها ويسهم في بنائها كل خطاب يرفض أن يقول شيئا دون تعليل أو تأصيل أو ذكر ما يجعل هذا الخطاب خطابا صحيحا مقبولا من المنظور الشرعي. فالعديد من خطبائنا يلقون الكلام على عواهنه، فيؤسسون لعبثية في التفكير لدى الناس وهم بذلك يقومون بدور ألبير كامو أو سامويل بيكيت فيجعلون الناس من خلال ما يتلقونه من خطاب ينتظرون “غودو” الذي لن يأتي. ومن أوجه العبثية في الخطاب ليس فقط عدم القول بالدليل أو التأصيل الشرعي لكل مسألة، بل حتى في غياب الوحدة الموضوعية والحديث في كل شيء بشكل عشوائي من خلال القفز على الأحداث، أو من خلال إعطاء استنتاجات غير منسجمة مع المعطيات والمنطلقات.

لنتخيل كيف ستكون عقول الناس الذين ظلوا يتلقون مثل هكذا خطابات عشوائية منذ كانوا صغارا بهذا الشكل الغريب الذي يفسد التفكير ويؤسس للغباء في التعاطي مع الأفكار، إن أستراتيجية اعتماد الفكر والأفكار أصبحت أهم مخطط أمريكي منذ أحداث الحادي عشر شتنبر 2001 وهو ما سمته ب”حرب الأفكار”. فأصبحت تلجأ من جديد إلى نفس الوسائل والاستراتيجيات التي استعملتها أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السفياتي سابقا في تدجين العالم والسيطرة عليه، لعلمها أن تغيير العالم رهين بتغيير أفكار ساكنيه.

إن امتلاك العقلية العلمية التي تعتمد على التأصيل معناه امتلاك القدرة على تحليل الواقع تحليلا إسلاميا قرآنا وسنة، ولا هوى ولا نزوة ولا انصياعا للجاهلين والمتطفلين على الدين. وإرجاع أسباب الظواهر الكونية والاجتماعية إلى سنن الله التي تتحكم فيها. والتي هي مبثوثة في أصلي هذا الدين: القرآن والسنة، وصاحب هذه العقلية هو أيضا الذي يضبط حركته من أجل إصلاح أوضاع الناس بأصول الشريعة. بحيث يسعى دائما إلى البحث عن الحكم الشرعي لما يريد فعله أو قوله. فإذا علم بمشروعيته استدل بأصله وبينه، وفي ذلك تمييز لكلامه وتحليله عن كلام وتحليل الذين لا يقيمون لأصول الدين اعتبارا.

إن هذه العقلية العلمية من شأنها أن تؤدي بنا تلقائيا إلى عقلية أخرى وهي العقلية النقدية القائمة على الشك، أي بمجرد أن تتكون العقلية العلمية لدى الإنسان حتى يصبح محللا وناقدا لكل فكرة تعرض عليه سائلا عن أصلها وفصلها فيقوم بغربلتها، فإن كانت تتأسس على دليل شرعي معتمد قبل بها واطمأن إليها، وإن كانت مجرد فكرة عابثة أريد بها خدمة فكر معين كأن يكون هذا الفكر إرهابيا أو تضليليا رفضها وأعرض عنها بل ورد عليها بما يملكه من علم شرعي يقوم على الفهم الصحيح للدين.

إن امتلاك هذه العقلية أي العقلية النقدية معناه ألا يكون الإنسان إمعة يقول إذا أحسن الناس أحسنت، وإذا أساؤوا أسأت. بل يوطن نفسه. ويعمل على أن يكون من ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولائك الذين هداهم الله و أولائك هم أولي الألباب.) فصاحب العقل هو الذي لا يقبل إلا بدليل. ولا يرفض إلا بدليل ويتأمل فيما يقرأ أو يسمع، أو يرى من أقوال وأفعال ولو صدرت من الفضلاء والمشايخ ليطمئن إلى سلامتها من العيب والخلل والانحراف. كما أن ذا العقلية النقدية يشارك برأيه متى بدا له ويشغل عقله فيما ينفعه وينفع أمته ووطنه. فيما يجنب دعوته الخطأ ويوفقها للصواب، ويفتح لها الآفاق، ويجتهد من أجل إحسان تطبيق ما يؤمر به، ويبادر بالاجتهاد فيم لم يؤمر به وفق ضوابط الشرع الحكيم حتى لا يَضِلَّ أو يُضِلْ.

ثم بموازاة مع هذا التنظيم وهذه الاستراتيجية والرؤية، على الدولة أن تفتح أوراش التكوين والتأطير للخطباء وفق آليات الخطاب العصرية التي تتأسس على العلم في مقاربتها لكيفيات التأثير والإقناع.

كما أنها مطالبة بأن تفتح المجال لهم ليتحولوا من المدح والإطراء والمجاملات الجوفاء إلى لعب دور الباني لثقافة الناس والناقد والناصح والذي يهمه كل شيء يقع في البلاد فيعملوا على فضح الفاسدين عندما تتوفر الأدلة، واقتراح برامج بناءة تنموية تصب في الرفع من شأن البلاد لمصلحة العباد.

إن الواقع المحلي والإقليمي والدولي واكتساح الأجهزة المعلوماتية المؤثرة يفرض على خطيب الجمعة أن يتحول من الإنسان الدرويش البسيط الذي يردد ما يقال له ويقرأ ما يُكتب له إلى فاعل متفاعل ومتابع لما يقع من أحداث في بلده وفي الوطن العربي وفي باقي دول العالم.

إن خطيب الجمعة نحتاجه كمناضل وفاعل ومقترح ومبرمج ومحاسب، مناضل يناضل ضد خصوم وحدتنا الترابية، ويقوم بفضح المؤامرات عندما تكون هناك مؤامرات تستهدف الوطن في الداخل والخارج، ويقوم بشرح عواقب التعدي على الممتلكات الخاصة والعامة ويحذر من الطيش وتدمير البلاد وينصح بأخذ الحذر والحيطة من عناصر التشويش التي يحلو لها الصيد في الماء العكر فتحول الحركات الاحتجاجية السلمية في اتجاه آخر من شأنه أن يغرق البلاد في فوضى عارمة تخدم الخصوم ولا تخدم أحدا في الداخل ممن يحبون هذا الوطن وهم دائما على استعداد للدفاع عن حماه وبدل الغالي والنفيس لرفع رايته خفاقة في كل منتدى عربي أو دولي.

وفاعلون لأن الفاعلية معناها القوة الاقتراحية لمشاريع تنموية على مستوى كل حي يوجد به مسجد، فأين دور خطيب الحي في تعبئة الساكنة ضد الأوساخ وجمعهم على برنامج نظافة أحيائهم وحثهم على تزيين مداخل منازلهم، وجعلهم يتآزرون ويتعاونون في الفرح كما في القرح، فوحدة الشعب والأمة تمنح البلاد تماسكا داخليا والتماسك الداخلي هو من يمنح الانتصارات في الخارج، فتوحيد الأمة المغربية على حب الوطن أولا وأن الوطن فوق كل اعتبار على اعتبار أن حب الوطن من الإيمان، وبالتالي ففضح المفسدين هو تعبير عن حبنا لهذا الوطن والحديث عن الزبونية والمحسوبية والرشوة من أجل اجتثاتها هي تجل من تجليات حبنا وتقديرنا لهذا الوطن، ومبرمجون أي منتجون للأفكار لا متلقين ومستهلكين تفكر وزارات الأوقاف مكانهم، فربما قد نجد العذر للوزارات عندما تضع خطوطا عريضة وهذا مطلوب ولكن في إطار تحديد الطابوهات الممنوعة التي تتعارض مع الدين ومع الوحدة والانسجام مع كرامة وعزة وحرية المواطنين.

فنحن مع الطابوهات إذا كانت تصب في مثل عدم الترويج للشذوذ والطائفية وإلغاء القطعي من الدين والأمر بالخروج عن الجماعة، وإثارة الفتن وإحياء النعرات القبلية المقيتة، أو إثارة الفتن وفضح العيوب وكشف العورات. وأما أن تكون الطابوهات هي عدم الخوض في السياسة فهذه طابوهات يجب إعادة النظر فيها لأن منبر خطبة الجمعة تماما كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منبرا إسلاميا كاملا وشاملا منه يتم تبليغ المسلمين بأن يتخذوا حذرهم وأسلحتهم، ومنه يتم الحديث عن العناصر الدخيلة المنافقة التي ظاهرها معنا وقلوبها مع أعدائنا، ومنه يتم الحديث عن كل الشؤون العامة التي تهم البلاد والعباد دون فصل أو تمييز أو انتقائية.

إن الأحداث التي وقعت في الوطن العربي منذ 2011 إلى الآن تحتاج منا أن نعيد النظر في طبيعة الخطاب الديني، كي نجعله فاعلا في ترسيخ السلم ويلعب دوره في استتباب الأمن، وأن نجعله خطابا إسلاميا شاملا يتحدث عن الفقه والعبادات كما يتحدث عن جميع شؤون العباد وما له علاقة بهؤلاء العباد، ويعمل على غرس ثوابت البلاد في نفوس وعقول المغاربة التي منها إمارة المومنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والوحدة الوطنية.

شاهد أيضاً

السنن الكونية وأثرها في فهم المتغيرات

تعيش الإنسانية بمختلف أديانها وأجناسها ومؤهلاتها على سنن الله الكونية، بحيث تخضع جميع حركاتها وسكناتها …

اترك رد